الشيخ محمد رشيد رضا

233

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الكهرباء وغيرها ما لو قيل لعقلاء الناس وحكمائهم قبل ثبوته بالفعل إنه من الممكنات ، لحكموا على مدعي امكانه بالجنون لا بتصديق الخرافات ، كما قلنا من قبل الفرق بين الخوارق الكسبية والحقيقية وجملة القول إن أسرار هذا الكون لا يحيط بها إلا خالقه عز وجل - وانه قد وجد في كل عصر وقائع غريبة تعد من هذه الاسرار الجارية على غير نظام السنن الإلهية في الخلق ، بحسب ما يتراءى للجمهور بادي الرأي ، وان ما يتناقله الجمهور المولع بالغرائب منها منه ما هو كذب محض ، ومنه ماله أسباب علمية أو صناعية خفية يجهلها الأكثرون ، ومنه ما يظن أنه من خوارق العادات وليس منها ، ومنه ما سببه الوهم كشفاء بعض الأمراض ، أو انخداع البصر بالتخييل الذي يحذقه الشعوذون ، ومنه ما فعله سحرة فرعون المبين بقوله تعالى ( فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ) ومنه انخداع السمع كالذي يفعله الذين يدعون استخدام الجن إذ يتكلمون ليلا بأصوات غريبة غير أصواتهم المعتادة فيظن مصدقهم ان ذلك صوت الجني ، وقد يتكلمون نهارا من بطونهم من غير أن يحركوا شفاههم ، فلا يوثق بشيء من أخبارهم ولا من نقلهم - ومن الدلائل على كذب المنتحلين لهذه الغرائب انهم جعلوها وسيلة لمعايشهم الدنيئة ، وانهم لو كانوا صادقين فيها لتنافس الملوك وكبار علماء الكون في صحبتهم والاهتداء بهم المعجزات قسمان : تكوينية وروحانية تشبه الكسبية المعجزات كلها من اللّه تعالى لا من كسب الأنبياء كما نطق به القرآن ولكنها بحسب مظءها قسمان : قسم لا يعرف له سنة إلهية يجري عليها فهو يشبه الاحكام الاستثنائية في قوانين الحكومات أو ما يكون بإرادة سنية من الملوك لمصلحة خاصة - وللّه المثل الاعلى - وقسم يقع بسنة إلهية روحانية لا مادية . أما المأثور من آيات اللّه التي أيد بها موسى ( ع . م ) وأثبتها القرآن له كالآيات التسع بمصر فهي من القسم الأول ، ولم يكن شيء منها بكسب له حقيقي ولا صوري ، وكذلك الآيات الأخرى التي ظهرت في أثناء خروجه ببني إسرائيل ومدة التيه ،